ابن ميثم البحراني
65
شرح نهج البلاغة
في نفسه عن اكتساب الأموال فارتهنت بها بما على الرهن من المال ، وقال بعض الشارحين : أراد أنّه لمّا أشفى على الفراق صارت الأموال الَّتي جمعها مستحقّة لغيره ولم يبق له فيها تصرّف فأشبهت الرهن الَّذي غلَّق على صاحبه فخرج عن كونه مستحقّا لصاحبه وصار مستحقّا للمرتهن . وهذا وإن كان محتملا إلَّا أنّه يضيّع فائدة قوله : بها . لأنّ الضمير يعود إلى الأموال المجموعة وهو إشارة إلى المال الَّذي تعلَّق الرهن به فلا تكون هي نفس الرهن ، وقوله : وهو يعضّ يده . كناية عمّا يلزم ذلك من الأسف والحزن والندم على تفريطه في جنب اللَّه حيث انكشف له حال الموت انقطاع سببه من اللَّه ، وفوت ما كان يتوهّم بقائه عليه ممّا اشتغل به عن ربّه ، وحيث يتحسّر على ذلك التفريط كما قال تعالى « أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتي عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ الله وإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ » ( 1 ) ويتمنّى هداية اللَّه فيقول : لو أنّ اللَّه هداني لكنت من المتّقين ، أو الرجعة إلى الدنيا لامتثال ما فرّطت فيه من الأوامر الإلهيّة فيقول حين يرى العذاب : لو أنّ لي كرّة فأكون من المحسنين ، وكما قال تعالى « ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا » ( 2 ) وقد نبّه عليه السّلام في هذا الكلام على أنّ آلة النطق تبطل من الإنسان حال الموت قبل التي السمع والبصر بقوله : فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنّه لبين أهله ينظر ببصره ويسمع بأُذنه على صحّة من عقله . ثمّ نبّه على بطلان آلة السمع بعدها قبل آلة البصر وأنّ آلة البصر تبطل مع المفارقة بقوله : حتّى خالط سمعه . إلى قوله : يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم . وذلك لعلمه عليه السّلام بأسرار الطبيعة ، وليس كلامه مطلقا بل في بعض الناس وأغلب ما يكون ذلك فيمن تعرّض الموت الطبيعيّ لآلاته ، وإلَّا فقد تعرّض الآفة لقوّة البصر وآلته قبل آلة السمع وآلة النطق ، والَّذي يلوح من أسباب ذلك أنّه لمّا كان السبب العامّ القريب للموت هو انطفاء الحرارة الغريزيّة عن فناء الرطوبة الأصليّة الَّتي منها خلقنا ، وكان فناء تلك الرطوبة عن عمل الحرارة الغريزيّة فيها التجفيف والتحليل وقد تعينها على
--> ( 1 ) 39 - 57 ( 2 ) 25 - 29 .